تحاول شركة «جرين باور للخدمات البيئية» واللتي يديرها رائد الأعمال احمد حنفي ترسيخ نموذج أعمال يتجاوز جمع المخلفات وإعادة تدويرها، عبر تحويل أجزاء منها إلى منتجات صناعية قابلة للاستخدام، وعلى رأسها الوقود المشتق من المخلفات RDF، بالتوازي مع إنتاج السماد العضوي وتصنيع معدات وخطوط المعالجة محليًا. ويكتسب هذا النموذج أهمية أكبر مع توسع الطلب الصناعي على الوقود البديل، خصوصًا من مصانع الأسمنت، وهو ما دفع الشركة إلى وضع خطط لزيادة إنتاجها خلال 2026، بينما تستند تجربتها التشغيلية إلى مشروعات في إدكو والخانكة ومشتول السوق، إلى جانب شراكات مع شركات وجهات محلية ودولية.
وتعمل «جرين باور» على تحويل المخلفات إلى مزيج من الموارد والمنتجات؛ إذ تتعامل مع المواد القابلة لإعادة التدوير، والمكونات العضوية المستخدمة في إنتاج السماد، والمرفوضات التي تدخل مراحل معالجة وفرز لإنتاج RDF، إلى جانب تقديم خدمات تشغيل وإدارة مصانع التدوير والمدافن الصحية وتصميم وتصنيع خطوط فرز المخلفات.
RDF يقود توسع الشركة
يمثل الوقود المشتق من المخلفات أحد أهم محاور نشاط «جرين باور» حاليًا، حيث تعالج الشركة المخلفات وتفرز مكوناتها لاستخراج الجزء القابل للاستخدام كوقود بديل، ثم تورده لمصانع الأسمنت وغيرها من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.
وكشف المهندس أحمد حنفي، رئيس مجلس إدارة الشركة، خلال يونيو ويوليو 2026، عن استهداف مضاعفة إنتاج RDF إلى نحو 8 آلاف طن شهريًا، مقابل قرابة 4 آلاف طن حاليًا، من خلال إضافة خط إنتاج جديد بطاقة 4 آلاف طن شهريًا، على أن يبدأ تشغيل خطوط الإنتاج الجديدة قبل نهاية العام.
وترتبط خطة التوسع بالطلب المتزايد من مصانع الأسمنت والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، التي تستخدم الوقود البديل ضمن مزيج الطاقة لتقليل الاعتماد على الفحم والوقود التقليدي وخفض الانبعاثات الكربونية.
إدكو.. إعادة تشغيل مصنع متوقف
يعد مصنع إعادة تدوير المخلفات في إدكو بمحافظة البحيرة أحد أبرز مشروعات الشركة، بعدما حصلت «جرين باور» على حق انتفاع بالمصنع لمدة 10 سنوات، في وقت كان الموقع عبارة عن أرض فضاء وهياكل معدنية ومعدات متهالكة.
وضخت الشركة استثمارات لإعادة تأهيل المشروع، شملت إضافة خطوط إنتاج وماكينات فرم، ورفع كفاءة المعدات القائمة وتطوير التشغيل وتوفير فرص عمل. وتقول «جرين باور» إن ماكينات الفرم التي أضافتها للمصنع صُنعت محليًا بنسبة 100% بواسطة فريق التصميم والتصنيع التابع لها، بينما استغرق تطوير الموقع نحو عامين.
وعند بدء التشغيل، كانت أرض المشروع تضم تراكمات من المخلفات قدرت بنحو مليوني طن، فيما يستقبل المصنع مخلفات من 5 مدن بمحافظة البحيرة، بطاقة تشغيلية معتادة تصل إلى 600 طن يوميًا، ويمكن رفعها إلى 800 طن، بينما تصل خلال فترات التعامل مع التراكمات إلى نحو 1000 طن يوميًا. كما رفعت الشركة كفاءة خطوط الإنتاج وأضافت غرابيل لزيادة الإنتاجية، مع وجود فريق تصميم وتصنيع داخل المصنع.
ولا يقتصر إنتاج المصنع على RDF، إذ تنتج الشركة السماد العضوي، إلى جانب المواد المفروزة التي تدخل في صناعات مثل البلاستيك والكرتون.
الخانكة.. بوابة التعاون مع تيتان
يأتي مصنع معالجة المخلفات البلدية الصلبة المطور بمدينة الخانكة في القليوبية ضمن المشروعات الرئيسية للشركة، حيث تديره «جرين باور للخدمات البيئية والتوريدات العامة» بالتحالف مع شركة الطاقة البديلة الخضراء «جايا» التابعة لمجموعة تيتان مصر.
ويرتبط المشروع بتعاون مع «تيتان للأسمنت» لتطوير وتشغيل منظومة معالجة المخلفات وتوفير الوقود البديل، فيما أشار حنفي إلى أن «جرين باور» كانت تورّد في مرحلة سابقة ما يتراوح بين 70 و80% من إجمالي الوقود البديل لشركة تيتان.
من المخلفات إلى منتج صناعي
تعتمد الشركة على تقسيم مكونات المخلفات إلى مسارات مختلفة؛ فالمواد القابلة لإعادة التدوير تشمل البلاستيك والنحاس والصفيح، بينما تمثل المواد العضوية، بحسب حديث رئيس الشركة، نحو 60 إلى 70% وقد تصل إلى 75% من المخلفات، وتستخدم في إنتاج السماد العضوي.
أما المرفوضات، التي تتراوح نسبتها وفق حديثه بين 20 و35%، فتدخل مراحل المعالجة لإنتاج RDF. وتشمل العملية فصل المواد الثقيلة مثل الطوب والأقمشة، ثم خفض مستويات الرطوبة والأتربة والقش للوصول إلى وقود بديل بالمواصفات المطلوبة.
وتستهدف «جرين باور» مصانع الأسمنت كسوق رئيسية لـRDF، نظرًا إلى ضخامة استهلاكها وانتظام أنظمة الجودة والمراقبة بها، فضلًا عن قدرتها على استيعاب كميات كبيرة من الوقود البديل. ويشير حنفي إلى وصول استخدام الوقود البديل في بعض مصانع الأسمنت إلى نسب تتراوح بين 30 و40% من احتياجات الطاقة، مع بدء الدولة، عبر جهاز تنظيم إدارة المخلفات، إلزام مصانع الأسمنت باستخدام نسبة معينة من الوقود البديل لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
مشتول السوق.. اختبار مبكر للنموذج
سبق توسع الشركة في مشروعاتها الحالية تجربة مهمة في مشتول السوق بمحافظة الشرقية، حيث تعاملت مع أكثر من 650 ألف طن من المخلفات، بينها تراكمات عمرها سنوات ومخلفات مرتبطة بمشكلات حرق قش الأرز.
ونجحت الشركة، بحسب تصريحات رئيسها، في استخراج كميات من الوقود البديل وإنتاج السماد العضوي، بما قدم نموذجًا عمليًا لفكرة تحويل مشكلة المخلفات إلى منتجات لها قيمة اقتصادية.
التصنيع المحلي يدخل صلب نموذج الأعمال
لا تعتمد «جرين باور» على تشغيل مصانع التدوير فقط، وإنما طورت قدرات لتصميم وتصنيع المعدات محليًا، ومن أبرزها ماكينات الفرم المستخدمة في مصنع إدكو، التي يؤكد رئيس الشركة تصنيعها بالكامل بأيدٍ مصرية.
ويظهر هذا التوجه أيضًا في استثمار يقارب 500 ألف يورو في ماكينة فرم رئيسية، بما يعادل وقت التصريح نحو 27 إلى 28 مليون جنيه، بهدف رفع الطاقة الإنتاجية تدريجيًا.
وتضيف هذه القدرات بعدًا صناعيًا إلى نموذج الشركة، الذي يجمع بين إدارة المخلفات وإنتاج الوقود البديل والسماد وتصنيع معدات المعالجة.
10 سنوات تغير معادلة الاستثمار
يمنح حق الانتفاع بمصنع إدكو لمدة 10 سنوات الشركة مساحة زمنية أطول لاسترداد تكلفة الاستثمارات الرأسمالية. ويوضح حنفي أن مشروعات المخلفات كانت تُطرح سابقًا أحيانًا لفترات لا تتجاوز عامين أو ثلاثة، وهي مدة يصعب معها استرداد تكلفة المعدات والاستثمارات.
ومن ثم، تمثل مدة التعاقد عاملًا اقتصاديًا مؤثرًا في قدرة المستثمر على ضخ رأسمال في المعدات ورفع كفاءة المصنع وتحقيق عائد من التشغيل، خاصة مع ارتفاع تكلفة خطوط وماكينات معالجة المخلفات.
خبرة حنفي بدأت من البيوجاز
ترتبط قصة «جرين باور» بخبرة أحمد حنفي في قطاع المخلفات والطاقة، التي بدأت بعد تخرجه من جامعة حلوان عام 2010، من خلال دراسة جدوى مرتبطة بمشروع تخرج بالتعاون مع جمعية «نور على نور» لإعادة تدوير مخلفات القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
وتطورت التجربة إلى مشروعات لتطهير المصارف وتشغيل الشباب في القرى والاستفادة من المخلفات العضوية، كما شارك في تجربة لإنتاج البيوجاز من مخلفات المزارع وروث الحيوانات بالتعاون مع «إنديكو» ومركز البحوث الزراعية في مشتهر، لإنتاج الكهرباء بدعم من المعونة الصينية.
وقبل تأسيس «جرين باور»، شارك حنفي في تأسيس شركة «يونيا ريك» لإعادة تدوير الإطارات، التي أقامت مصنعًا في العبور على مساحة 10 آلاف متر مربع، وكان من أوائل المصانع التي استخدمت الإطارات المستعملة كوقود بديل لمصانع الأسمنت. كما شارك في مشروعات لتقييم المخلفات في الخرج بالسعودية عام 2013، وفي الكويت بالتعاون مع البلدية ومتخصصين في المجال.
شراكات تمتد إلى الموانئ والمخلفات الزراعية
تشمل مشروعات الشركة تعاونًا مع «تيتان للأسمنت»، إلى جانب بروتوكول تعاون مع جهاز مستقبل مصر في مشروعات لإعادة استخدام البلاستيك ومخلفات الصوب الزراعية.
كما شاركت «جرين باور»، بحسب تصريحات رئيسها، في مشروع للتعامل مع المخلفات الخطرة وغير الخطرة بالموانئ المصرية بالتعاون مع شركة «إيكو كونسرف» الاستشارية للبنك الدولي، ومن بينها مشروع ميناء نويبع، الذي شمل التعامل مع حاويات يمكن أن تمثل مخاطر بيئية واستخدام المخلفات المستخرجة كوقود بديل لمصانع الأسمنت.
أهداف إنتاجية متعددة في 2026
تظهر تصريحات الشركة أكثر من مستوى مستهدف لإنتاج RDF؛ وأشار حنفي إلى وصول الإنتاج إلى نحو 5 آلاف طن واستهداف 10 إلى 11 ألف طن، بينما أوضح عن طموح للوصول إلى 15 ألف طن شهريًا بمواصفات مرتفعة.
وبالتالي، لا تمثل هذه الأرقام هدفًا واحدًا نهائيًا، وإنما تعكس مراحل أو طموحات مختلفة للتوسع الإنتاجي، بينما يظل الهدف المعلن في أحدث خطة خلال 2026 هو رفع الإنتاج من نحو 4 آلاف إلى 8 آلاف طن شهريًا عبر إضافة خط بطاقة 4 آلاف طن شهريًا.
التمويل والشهادات
اعتمدت الشركة، بحسب تصريحات رئيسها في 2025، على التمويل الذاتي في جزء كبير من استثماراتها، إلى جانب الاستفادة من تمويل الدولة ضمن مبادرة 5% لدعم القطاع الصناعي.
وكانت قد حصلت الشركة على شهادة ISO، وترخيص من جهاز تنظيم إدارة المخلفات WMRA لمعالجة المخلفات الصلبة غير الخطرة، إلى جانب موافقات مرتبطة بخدمات نقل وجمع المخلفات الصلبة والسائلة الخطرة وغير الخطرة. كما يتضمن سجل أعمالها دراسات واستشارات، من بينها دراسة فنية ومالية لإنتاج الفحم النباتي من فروع الأشجار عام 2013، وموقع لإنتاج الوقود البديل في المنوفية عام 2016، وأعمال مرتبطة بالنقل في مشروع تابع لوزارة النقل عام 2023.
كما شارك حنفي في مؤتمري COP27 بشرم الشيخ وCOP28 في دبي، وذكرت الشركة توقيع بروتوكولات تعاون مع جهات شاركت في مؤتمر دبي واستمرار التواصل معها لاحقًا.
وبهذا، تتحرك «جرين باور» داخل سلسلة متكاملة تبدأ من استقبال وفرز المخلفات، وتمر باستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير وإنتاج السماد، وصولًا إلى تصنيع RDF وتطوير معدات المعالجة محليًا. ويمنح التوسع في إنتاج الوقود البديل، إلى جانب تشغيل مصنعي إدكو والخانكة والاستفادة من حق الانتفاع طويل الأجل، الشركة مساحة أكبر لتحويل إدارة المخلفات من نشاط خدمي إلى نموذج صناعي يرتبط بالطاقة والتصنيع المحلي والاقتصاد الأخضر.
مقالات ذات صلة

شركة «EMAR CNC».. حلول متكاملة لماكينات التصنيع والأتمتة الصناعية
تتركز أعمال الشركة على تصميم وتصنيع ماكينات CNC وحلول الأتمتة والروبوتات، إلى جانب تطوير حلول هندسية مخصصة للتعامل مع احتياجات وتحديات مختلفة في قطاعات الصناعة والمجالات غير الصناعية

من البحث عن المصنع إلى متابعة الإنتاج.. كيف تبني «Venduo» سوقًا رقميًا لتصنيع الأزياء؟
تقدم «Venduo» منصة رقمية تربط علامات الأزياء بالمصانع، وتتيح مقارنة عروض التصنيع وحساب التكلفة ومتابعة الإنتاج، مع شبكة تضم 1500 مصنع في 8 أسواق.

«تلاقي».. منصة رقمية تربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة
تستهدف المنصة معالجة الفجوة بين مخرجات البحث العلمي واحتياجات القطاع الصناعي، من خلال توجيه الأبحاث نحو التحديات والمشكلات التي تواجه الشركات والمصانع.

كيف تعيد «Averroes Ventures» تشكيل نموذج الاستثمار في الشركات الناشئة؟
تتبنى «Averroes Ventures» نموذجًا استثماريًا يتجاوز تمويل الشركات الناشئة إلى بناء منظومة متكاملة تجمع رأس المال والتسريع والاستدامة، مع تركيز متزايد على الاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد في أسواق MENA.
