تضع «Averroes Ventures» نفسها أمام اختبار مختلف في سوق رأس المال الجريء؛ فبدلًا من ملاحقة القطاعات التي استحوذت على النصيب الأكبر من تمويلات الشركات الناشئة خلال السنوات الماضية، يراهن الصندوق المصري على الصناعة والزراعة والطاقة، مستهدفًا جمع 35 إلى 50 مليون دولار وبناء محفظة تضم 30 شركة ناشئة في مصر وشمال أفريقيا بحلول 2030.
ولا يأتي هذا التحول باعتباره مجرد إعادة توزيع للتمويل بين قطاعات مختلفة، وإنما يعكس تغييرًا في فلسفة الاستثمار نفسها؛ إذ يسعى الصندوق إلى بناء روابط بين الشركات داخل سلاسل القيمة، بحيث لا ينحصر العائد في نمو شركة منفردة، وإنما يمتد إلى القيمة التي يمكن أن تنشأ من تكامل الشركات والقطاعات التي يستثمر فيها.
ويضع هذا النموذج الاقتصاد الحقيقي في مركز استراتيجية «Averroes Ventures»، بينما تتحول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى أدوات لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة وإعادة تشكيل نماذج الأعمال، وليس إلى غاية استثمارية مستقلة. ومن هنا يأتي الاقتصاد الدائري كإطار يجمع بين هذه القطاعات، عبر البحث عن طرق لتحويل المخلفات والموارد المهدرة إلى مدخلات إنتاج وقيمة اقتصادية جديدة.
35 إلى 50 مليون دولار لبناء محفظة مترابطة
يستهدف الصندوق تنفيذ إغلاق أولي تتراوح قيمته بين 15 و20 مليون دولار خلال الربع الثالث من 2026، على أن تبدأ عمليات ضخ الاستثمارات في الشركات المستهدفة خلال الربع الرابع، بينما يستهدف استكمال الإغلاق النهائي خلال 2027، بالتوازي مع توسيع قاعدة المستثمرين والشركاء المحليين والدوليين.
وتقوم الخطة على تكوين محفظة استثمارية خلال دورة تمتد من ثلاث إلى أربع سنوات، مع متوسط فترة احتفاظ بالاستثمارات لا يتجاوز خمس سنوات لكل شركة، بما يسمح بإعادة تدوير رأس المال وإعادة توجيهه إلى فرص جديدة بدل تجميده لفترات طويلة داخل استثمارات منفردة.
كما يستهدف الصندوق تحقيق توازن جغرافي بين مصر وشمال أفريقيا، من خلال الاستثمار في 15 شركة داخل السوق المصرية و15 شركة أخرى في أسواق شمال أفريقيا بحلول 2030. ويوازي ذلك توجه لبناء هيكل تمويلي متوازن بين رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، بحيث يمثل كل منهما 50% من إجمالي التمويلات المستهدفة.
وتبدأ تذكرة الاستثمار من متوسط يبلغ 250 ألف دولار، مع إمكانية زيادتها أو خفضها وفق مرحلة نمو الشركة واحتياجاتها التشغيلية، بما يعكس اعتماد الصندوق على تقييم كل فرصة بصورة منفصلة بدل الالتزام بحجم تمويل موحد لجميع الشركات.
الصناعة والزراعة والطاقة بدلًا من ازدحام التكنولوجيا
يخصص الصندوق ثلث استثماراته للصناعة، وثلثًا آخر للزراعة، بينما يوجه الثلث المتبقي إلى الطاقة. ويكشف هذا التوزيع عن محاولة للابتعاد عن حالة التركز التي شهدتها سوق رأس المال الجريء خلال السنوات الماضية في مجالات مثل التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية، والتوجه إلى قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالإنتاج والموارد والأمن الغذائي والطاقة.
وتستند هذه الرؤية إلى أن القطاعات الإنتاجية لا تزال تمتلك مساحة واسعة لرفع الإنتاجية وإعادة الهيكلة، خصوصًا مع إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى عمليات الإنتاج والإدارة. وبالتالي، لا ينظر الصندوق إلى التكنولوجيا كقطاع منفصل، وإنما كوسيلة لإعادة صياغة قطاعات تقليدية وخلق نماذج أعمال جديدة داخلها.
ويكتسب الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة في هذه المعادلة، باعتباره أداة يمكن أن تساعد الشركات على تحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز قدرتها التنافسية، إلى جانب تطوير حلول جديدة تتوافق مع متطلبات الاستدامة.
الاقتصاد الدائري.. من إدارة المخلفات إلى خلق قيمة جديدة
رغم توزيع الاستثمارات بين ثلاثة قطاعات رئيسية، يظل الاقتصاد الدائري هو الإطار الذي يربط الرؤية الاستثمارية للصندوق. والمقصود هنا لا يتوقف عند إعادة تدوير المخلفات، وإنما يمتد إلى تصميم المنتجات بطريقة أكثر استدامة، واستخدام مواد قابلة لإعادة الاستخدام أو التحلل، ثم إعادة إدخال الموارد في دورات الإنتاج.
وتكشف هذه المقاربة عن محاولة لتحويل ملف بيئي إلى فرصة استثمارية؛ فالمخلفات البلدية والصناعية والزراعية لا يتم التعامل معها باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، وإنما كمصدر محتمل لمواد ومدخلات يمكن إعادة توظيفها داخل سلاسل إنتاج جديدة.
وهنا تتقاطع استراتيجية الصندوق مع منصة Circulate MENA التي طورتها «Averroes Ventures» لدعم الاقتصاد الصناعي الدائري في المنطقة. وتعمل المنصة عبر ثلاثة مكونات رئيسية: Circularity Labs لتسريع الشركات والحلول المرتبطة بالاقتصاد الدائري، وCircuHub لربط الشركات بالمستثمرين وصناع السياسات وشركاء البحث والتطوير، وCapital لمعالجة فجوة التمويل أمام الشركات العاملة في الصناعة والاستدامة والاقتصاد الدائري.
وبهذا الهيكل، لا تتعامل «Averroes Ventures» مع التمويل باعتباره نقطة البداية والنهاية، وإنما تحاول بناء البيئة المحيطة بالشركة الناشئة؛ من تطوير نموذج الأعمال وبناء القدرات، إلى الوصول للمستثمرين والأسواق، ثم توفير رأس المال اللازم للتوسع.
خبرة استثمارية تتحول إلى استراتيجية أكثر تخصصًا
ويقود هذا التوجه أحمد الشريف، المؤسس والشريك المدير والرئيس التنفيذي، الذي يمتلك أكثر من 25 عامًا من الخبرة في الاستثمار وريادة الأعمال في مصر والمنطقة، وشملت خبرته هيكلة صفقات الدين وحقوق الملكية ودعم الشركات من مراحل التأسيس وحتى التوسع.
وترتبط خبرته الاستثمارية بشركات مثل Breadfast وTruKKer وNawah Scientific وIlla وKhazenly، إلى جانب العمل في قطاعات التصنيع والصناعات الغذائية والتجزئة والخدمات المالية.
وتضيف إيمان وهبي، الشريك، بعدًا آخر إلى استراتيجية الصندوق من خلال خبرة تتجاوز 20 عامًا في التنمية الدولية والسياسات العامة والتمويل المناخي والشراكات متعددة الأطراف، إلى جانب خبرات استثمارية في مجالات التكنولوجيا المناخية والاقتصاد الدائري والطاقة المتجددة. كما سبق لها العمل في World Bank Group، حيث قادت مشروعات متعددة الأطراف تجاوزت قيمتها 5 مليارات دولار، إلى جانب خبرتها مع UNCDF ومشاركتها في جهود التمويل المناخي.
وتكشف هذه الخلفية عن أحد عناصر القوة في النموذج؛ إذ تجمع القيادة بين خبرة رأس المال الجريء من ناحية، وفهم ملفات التمويل المناخي والتنمية والاستدامة من ناحية أخرى، وهو ما ينسجم مع التحول الذي يشهده الصندوق نحو القطاعات الإنتاجية والاقتصاد الدائري.
التخارج عبر المستثمر الاستراتيجي
ولا تتوقف استراتيجية «Averroes Ventures» عند اختيار الشركات وضخ التمويل، وإنما تمتد إلى تصميم مسار التخارج منذ البداية. ومع محدودية استخدام الطروحات العامة الأولية في أسواق المنطقة، ينظر الصندوق إلى صفقات البيع الثانوي باعتبارها الخيار الأكثر واقعية، سواء إلى صناديق استثمارية أكبر أو مستثمرين استراتيجيين داخل القطاعات نفسها.
وتكتسب هذه الآلية أهمية إضافية في نموذج الاستثمار عبر سلاسل القيمة؛ فالشركة التي تنمو داخل قطاع إنتاجي وتصبح جزءًا من شبكة مترابطة قد تكون أكثر جاذبية لمستثمر استراتيجي يسعى إلى التوسع داخل القطاع، وليس فقط لمستثمر مالي يبحث عن عائد على رأس المال.
رهان على إعادة توزيع رأس المال
وتعكس استراتيجية «Averroes Ventures» محاولة لإعادة تعريف الفرصة المتاحة أمام رأس المال الجريء في مصر وشمال أفريقيا. فالرهان لا ينصب فقط على اكتشاف الشركة الناشئة الأسرع نموًا، وإنما على تحديد القطاعات التي يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تشكيلها، ثم بناء شبكة من الشركات القادرة على العمل داخل سلاسل قيمة مترابطة.
ويضع هذا النموذج الصناعة والزراعة والطاقة في قلب عملية الاستثمار، بينما يوفر الاقتصاد الدائري الإطار الذي يربط بين كفاءة الموارد والاستدامة والجدوى الاقتصادية. ومع استهداف جمع ما يصل إلى 50 مليون دولار والاستثمار في 30 شركة بحلول 2030، تبدو «Averroes Ventures» أمام تجربة تتجاوز إدارة صندوق تقليدي إلى محاولة بناء منظومة استثمارية تربط رأس المال بالتكنولوجيا والإنتاج والاستدامة في مصر وشمال أفريقيا.
مقالات ذات صلة

رحلة تحول «Velents AI» السعودية.. من أتمتة التوظيف إلى حلول الذكاء الاصطناعي للمؤسسات
«Velents AI» تنتقل من أتمتة التوظيف إلى الذكاء الاصطناعي المؤسسي، مع تمويل 1.5 مليون دولار وشراكة «Claude» وتوسع حلولها في 2025 و2026.

كيف تحاول «Algebra AI» سد الفجوة بين أدوات الذكاء الاصطناعي واحتياجات الشركات؟
Algebra AI شركة إماراتية ناشئة جمعت 7 ملايين دولار لتطوير وتشغيل وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين لأتمتة عمليات الشركات المتوسطة في الخليج.

بعد 8 سنوات في سوق الإلكترونيات.. GEEKS STORE تتحول من متجر متخصص إلى بوابة للعلامات التكنولوجية العالمية
GEEKS STORE توسع نشاطها في سوق التكنولوجيا المصرية بشراكة حصرية مع iFLYTEK لطرح منتجات الذكاء الاصطناعي، ضمن توجه لتنمية حضور العلامات العالمية.

كيف تراهن «Rasmal Ventures» على «Yuno» لإعادة رسم مدفوعات الخليج؟
ترى Rasmal أن ميزة Yuno الأساسية تتمثل في قدرتها على التعامل مع أحد أكثر تحديات قطاع المدفوعات تعقيدًا، وهو تكييف البنية التحتية مع المتطلبات المحلية لكل سوق، مع الحفاظ على منصة تشغيل عالمية.
