تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

محمود محيي الدين: الاستعداد للذكاء الاصطناعي أهم من التذاكي في مواجهة التحولات الاقتصادية

يرى الدكتور محمود محيي الدين أن مستقبل الاقتصادات سيتحدد بمدى جاهزيتها للذكاء الاصطناعي، محذرًا من تجاهل المؤشرات الدولية واتساع الفجوة بين الدول.

4 د قراءة
محمود محيي الدين: الاستعداد للذكاء الاصطناعي أهم من التذاكي في مواجهة التحولات الاقتصادية

يرى الدكتور محمود محيي الدين أن النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة الحديث عن الإمكانات التقنية، ليصبح مرتبطًا بقدرة الاقتصادات على التكيف مع التحولات التي تفرضها التكنولوجيا الجديدة على أسواق العمل والإنتاجية والتنافسية. ويؤكد أن التحدي الحقيقي لم يعد في امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما في جاهزية الدول ومؤسساتها للاستفادة منها، محذرًا من أن تجاهل المؤشرات الدولية أو التقليل من أهميتها لن يغير من الواقع شيئًا.

ويستعرض محيي الدين، في مقاله، أبرز المناقشات التي شهدها المؤتمر السنوي للجمعية الاقتصادية الملكية بمدينة نيوكاسل البريطانية، حيث تصدر الذكاء الاصطناعي جلسات المؤتمر باعتباره أحد أهم الملفات الاقتصادية العالمية، سواء من زاوية تأثيره على سوق العمل أو دوره في إعادة تشكيل الاقتصادات.

عدم اليقين ما زال يسيطر على مستقبل الوظائف

يشير الكاتب إلى ما عرضه الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل كريستوفر بيساريديس بشأن التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على سوق العمل، موضحًا أن الدراسات الحالية لا تقدم إجابة حاسمة حول حجم هذا التأثير، في ظل تباين واضح بين من يعتبر الذكاء الاصطناعي محركًا غير مسبوق للنمو والإنتاجية، ومن يرى أنه قد يتسبب في فقدان أعداد كبيرة من الوظائف.

ويؤكد أن الأبحاث التطبيقية تظل الوسيلة الأكثر دقة لفهم هذه التحولات، بعيدًا عن التوقعات المتفائلة أو المتشائمة. وتشير النتائج الحالية إلى أن العاملين يشعرون بقلق متزايد بشأن مستقبل وظائفهم ومدى توافق مهاراتهم مع احتياجات سوق العمل الجديدة، بينما تواجه الشركات تحديًا في تحديد التطبيقات التي تحقق قيمة مضافة حقيقية لأعمالها.

ويضيف أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يؤدي دورًا مساعدًا في معظم القطاعات، بينما يتوقع أن تظهر التحولات الأكثر عمقًا مع الوصول إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، القادر على نقل المعرفة بين مجالات مختلفة، وهي المرحلة التي لم تتحقق حتى الآن.

كما يلفت إلى أن الدراسات الخاصة بأسواق العمل في الولايات المتحدة والصين وأوروبا تشير إلى أن فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي لا يزال محدودًا، وإن كانت بعض المهن المساندة، مثل المحاسبة والخدمات القانونية، بدأت بالفعل تشهد إحلالًا جزئيًا لبعض المهام بواسطة التطبيقات الذكية.

الجاهزية المؤسسية تحدد موقع الدول في الاقتصاد الجديد

يتناول محيي الدين أهمية مؤشرات قياس الاستعداد للذكاء الاصطناعي، مستعرضًا الحوار الذي دار مع البروفيسور بيساريديس حول مدى توافق مؤشر صندوق النقد الدولي مع المقياس الذي طوره الأخير وفريقه البحثي.

ويشير إلى أن كلا المؤشرين يعتمد على عناصر متقاربة، تشمل رأس المال البشري، ومرونة سوق العمل، والبنية التحتية الرقمية، والاستثمار في الابتكار، إضافة إلى الحوكمة، باعتبارها عناصر أساسية لتقييم قدرة الدول على استيعاب التحول التكنولوجي.

وينقل عن بيساريديس تأكيده وجود توافق كبير بين المؤشرين، مع استمرار التعاون مع صندوق النقد الدولي لتطوير أدوات القياس وتحديثها بصورة دورية.

وفي هذا السياق، يلفت الكاتب إلى أن معظم الدول العربية لا تزال بعيدة عن المراكز المتقدمة في مؤشرات الجاهزية للذكاء الاصطناعي، ليس فقط على مستوى البنية التكنولوجية، وإنما أيضًا فيما يتعلق بالحوكمة، وجودة البيانات، والأطر التنظيمية، وحماية الحقوق.

ويرى أن التعامل مع هذه المؤشرات يجب أن يكون واقعيًا؛ فإذا كانت النتائج تعكس الواقع، فإن المطلوب هو تسريع الإصلاحات وتحسين عناصر الجاهزية، أما إذا كانت هناك ملاحظات على منهجية القياس أو نقص في البيانات، فيجب إعلان ذلك وتقديم الأدلة، كما فعلت بعض الدول، بدلًا من تجاهل المؤشرات أو التقليل من أهميتها.

ويشدد على أن "التذاكي" أو اللامبالاة بالتقارير الدولية لا يغيران من الحقائق، بل قد يضعفان ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في الاقتصاد، مؤكدًا أن مواجهة أوجه القصور تبدأ بالاعتراف بها والعمل على معالجتها.

هل يوسع الذكاء الاصطناعي فجوة التنمية؟

ويختتم الكاتب مقاله بإثارة تساؤل حول مستقبل الدول والمناطق التي قد تتأخر في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الفجوة الاقتصادية بينها وبين الاقتصادات الأكثر تقدمًا ستتسع خلال السنوات المقبلة.

ويعرض عدة سيناريوهات مطروحة في الأدبيات الاقتصادية، من بينها إعادة توزيع الدخل عبر الضرائب والدعم الاجتماعي، أو البحث عن نماذج اقتصادية بديلة تستفيد من المزايا النسبية للدول الأقل تقدمًا تقنيًا، مستشهدًا بآراء الاقتصادي الأمريكي كينيث روغوف حول مستقبل الاقتصادات الأوروبية في ظل المنافسة الأمريكية والصينية.

ويخلص محيي الدين إلى أن القضية لا تتعلق بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بقدرة الدول على تعميم فوائدها، ورفع كفاءة اقتصاداتها، وتأهيل رأس المال البشري، حتى يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز النمو والعدالة الاقتصادية، وليس سببًا لاتساع الفجوة التنموية بين الدول.

مقالات ذات صلة