في الوقت الذي أعادت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة الوصول إلى المعلومات وإنتاج المحتوى، لا تزال صناعة الكتب تعتمد إلى حد كبير على نموذج تقليدي يقوم على القراءة أو الاستماع إلى محتوى ثابت، وهو ما دفع الشركة المصرية الناشئة Sinai.ai إلى بناء نموذج مختلف يستهدف تحويل الكتاب من منتج رقمي ساكن إلى تجربة تفاعلية يمكن للقارئ التفاعل معها وفهمها وإعادة تشكيلها وفق احتياجاته.
وتقدم Sinai.ai نفسها كمنصة كتب قائمة على الذكاء الاصطناعي، تستهدف إعادة صياغة تجربة التعامل مع الكتب من خلال ما تطلق عليه «Living Books» أو الكتب الحية، بحيث لا تنتهي علاقة القارئ بالكتاب عند الصفحة الأخيرة، وإنما يمكنه طرح الأسئلة، ومناقشة الأفكار، والحصول على شروحات وتلخيصات، والاستماع إلى المحتوى، وترجمته، وإنشاء مواد تعليمية منه.
ويأتي هذا التوجه من رهان واضح على أن التطور التكنولوجي لم يعد يقتصر على تحويل الكتاب الورقي إلى نسخة إلكترونية، وإنما يمكن أن يمتد إلى تغيير طبيعة المنتج نفسه. فالشركة ترى أن الكتب الإلكترونية حافظت إلى حد كبير على طبيعة الكتاب التقليدي باعتباره محتوى ثابتًا، بينما أضافت الكتب الصوتية وسيلة أخرى لاستهلاكه، لكنها لم تجعل القارئ طرفًا متفاعلًا مع المحتوى. ومن هنا تحاول Sinai.ai إدخال طبقة الذكاء الاصطناعي داخل تجربة القراءة ذاتها.
من الكتاب الإلكتروني إلى aiBook
تتمحور المنصة حول منتجها aiBook™، الذي تصفه الشركة بأنه صيغة جديدة للكتب مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحول الأعمال التقليدية إلى تجارب متعددة الوسائط وقابلة للتخصيص.
ولا يتعامل aiBook مع الكتاب باعتباره نصًا يمكن تلخيصه فقط، وإنما يتيح للقارئ التفاعل المباشر مع المحتوى؛ إذ يمكنه السؤال عن فكرة أو مصطلح أو مقطع، والحصول على شرح أو ملخص أو أمثلة، إلى جانب إجراء محادثات حول موضوعات الكتاب وأفكاره. كما يستطيع المستخدم إنشاء أدلة قراءة مخصصة، وحفظ الملاحظات وربطها بالمحتوى، وبناء خط زمني للأحداث والتطورات داخل الكتاب.
وتتوسع التجربة إلى ما هو أبعد من القراءة النصية، إذ تتيح المنصة الانتقال بين القراءة والاستماع، وترجمة المحتوى إلى لغات متعددة، فضلًا عن تحويل محتوى الكتاب إلى أدوات تعليمية مثل دفاتر العمل والاختبارات والأسئلة التفاعلية، بما يجعل الكتاب قابلًا للاستخدام في التعلم والمراجعة وليس القراءة فقط.
وتقول الشركة إن المستخدم يمكنه، على سبيل المثال، قراءة كتاب باللغة الإنجليزية وطلب شرح أفكاره باللغة العربية، كما يمكنه الاستماع إلى المحتوى أثناء التنقل أو ممارسة أنشطة أخرى، ثم العودة إلى القراءة في أي وقت. وتدعم المنصة عددًا من اللغات الرئيسية، بينها العربية والإنجليزية والإسبانية والألمانية.
الذكاء الاصطناعي دون تجاوز حقوق النشر
أحد أهم جوانب نموذج Sinai.ai لا يرتبط بالخصائص التقنية فقط، وإنما بطريقة تعاملها مع حقوق الملكية الفكرية، وهي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تقاطع الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى.
وتعتمد الشركة ما تصفه بـ«النهج القانوني أولًا»، إذ تقول إنها تحصل على النصوص الكاملة للكتب من الناشرين وأصحاب حقوق الملكية الفكرية بموجب تراخيص، بما يسمح للمنصة بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي على المحتوى الكامل للكتاب داخل إطار قانوني ومتوافق مع حقوق النشر.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند مقارنة المنصة بأدوات الذكاء الاصطناعي العامة، إذ تعتمد Sinai.ai على توفير سياق الكتاب كاملًا داخل تجربة القراءة، بدلًا من مطالبة المستخدم بنسخ أجزاء من كتاب إلى أداة ذكاء اصطناعي خارجية. ووفق الشركة، فإن هذا النموذج يتيح الاحتفاظ بسياق الكتاب وتفاصيله عبر الفصول المختلفة، مع توفير أدوات مخصصة للتحليل والاستكشاف والتفاعل مع الأعمال الطويلة.
وبذلك لا تراهن Sinai.ai على القارئ وحده، وإنما تحاول بناء علاقة مباشرة مع صناعة النشر نفسها، عبر نموذج يسمح للناشرين بإدراج كتالوجاتهم على المنصة والوصول إلى قراء جدد، مع توفير تحليلات حول تفاعل المستخدمين ونموذج لمشاركة الإيرادات.
منصة للقراء والناشرين والمؤسسات التعليمية
توسّع الشركة نطاق نموذجها ليشمل أكثر من فئة من المستخدمين. فبالنسبة للقراء، تقدم تجربة قراءة تفاعلية يمكن تخصيصها وفق اللغة والاحتياجات وطريقة الاستهلاك، بينما تمنح المؤلفين إمكانية نشر أعمالهم مباشرة، وبناء مجتمعات من القراء، وإضافة طبقة تفاعلية قائمة على الذكاء الاصطناعي إلى كتبهم، إلى جانب الحصول على عوائد متكررة وفق نموذج المنصة.
أما الناشرون، فتتيح لهم Sinai.ai توزيع كتالوجاتهم واكتشاف قراء جدد، إلى جانب صفحات محسنة بالذكاء الاصطناعي وملخصات للكتب ولوحات لتحليل تفاعل القراء وتقارير للإيرادات. كما تستهدف الشركة المدارس والجامعات والمكتبات من خلال خطط مؤسسية وقوائم قراءة مخصصة وإمكانية متابعة تقدم الطلاب وتفاعلهم مع المحتوى.
وهذا التنوع في العملاء يكشف أن نموذج الشركة لا يقوم على تطبيق استهلاكي موجه للقارئ فقط، وإنما يتحرك في مساحة تجمع بين تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والنشر الرقمي والتعليم والمحتوى، وهو ما يمنحها أكثر من قناة محتملة لتحقيق الإيرادات والتوسع.
رهان على سوق كتب يتجاوز 150 مليار دولار
وتستند الشركة في توسعها إلى سوق عالمي ضخم، إذ تشير إلى أن قيمة سوق الكتب العالمية تتجاوز 150 مليار دولار، وترى أن بقاء الشكل الأساسي للكتاب على حاله لعقود يفتح المجال أمام نموذج جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتفاعل والتخصيص.
لكن التحدي أمام Sinai.ai لا يتعلق فقط بإثبات قدرة التكنولوجيا على تقديم تجربة أفضل، وإنما بإقناع القارئ بأن هذه التجربة تستحق التحول إليها، وفي الوقت نفسه إقناع الناشرين بأن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى أعمالهم يمكن أن يفتح أسواقًا وإيرادات جديدة دون تهديد حقوقهم الفكرية.
ولهذا يبدو أن الشركة تحاول معالجة جانبي المعادلة في الوقت نفسه؛ فتطوير تجربة القراءة يمثل جانب الطلب، بينما الحصول على محتوى مرخص وبناء شراكات مع الناشرين يمثل جانب العرض.
وتقول Sinai.ai إنها حصلت بالفعل على شراكات مع أكثر من 10 ناشرين، وتستهدف إطلاق مكتبة تضم آلاف العناوين، بما يشير إلى أن بناء قاعدة المحتوى يمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية التوسع وليس مجرد عنصر مكمل للتكنولوجيا.
ويقود أحمد كامل، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لـSinai.ai، الشركة في هذه المرحلة من بناء المنتج وتوسيع قاعدة الشراكات. وتصفه الشركة بأنه رائد أعمال في قطاع التكنولوجيا شارك في تأسيس شركتين، كما درس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والابتكار على مستوى الدراسات العليا في جامعة Stanford.
ويأتي اختيار صناعة الكتب كمجال لتطبيق نموذج قائم على الذكاء الاصطناعي في وقت تتسارع فيه المنافسة بين منصات المحتوى وأدوات الذكاء الاصطناعي العامة، وهو ما يجعل نجاح Sinai.ai مرتبطًا بقدرتها على تحويل فكرتها من مجرد خصائص تقنية إلى عادة جديدة لدى القارئ.
1.45 مليون دولار لدعم التوسع
حصلت Sinai.ai في أبريل 2026 على تمويل Pre-Seed بقيمة 1.45 مليون دولار، في جولة قادتها KAUST Innovation Ventures وDisrupTech Ventures، بمشاركة Maza Ventures وYOUXEL Ventures إلى جانب مجموعة من المستثمرين الملائكيين. وتخطط الشركة لاستخدام التمويل في تطوير التكنولوجيا الخاصة بها، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، واكتساب المستخدمين، وتوسيع تراخيص المحتوى.
ويمثل التمويل نقطة مهمة في انتقال الشركة من مرحلة بناء الفكرة والمنتج إلى مرحلة توسيع نطاق الاستخدام والشراكات. كما يعكس اهتمام المستثمرين بنموذج يقع عند تقاطع الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، خصوصًا مع سعي الشركة إلى بناء طبقة تكنولوجية جديدة فوق سوق نشر قائم بالفعل.
من القراءة السلبية إلى التفاعل
الرهان الأساسي لـSinai.ai في النهاية لا يتمثل في إضافة روبوت محادثة إلى الكتب، وإنما في تغيير العلاقة بين القارئ والمحتوى. فالمنصة تريد أن تجعل الكتاب قادرًا على الإجابة والشرح والتلخيص والترجمة والاستماع والتفاعل، مع تحويل المحتوى نفسه إلى أدوات تعليمية وبصرية قابلة للتخصيص.
وفي الوقت الحالي، تعمل Sinai.ai بنظام Beta مع استقبال المستخدمين تدريجيًا من خلال طلب الوصول المبكر، بينما تستعد لفتح الخدمة بصورة أوسع، مع خطط لتوفير آلاف الكتب التفاعلية.
وبهذا النموذج، تراهن الشركة المصرية على أن مستقبل الكتاب لن يكون مجرد نسخة رقمية من الورق، بل محتوى يمكنه التفاعل مع القارئ وفهم احتياجاته وتقديم أكثر من طريقة لاستهلاكه. وإذا نجحت Sinai.ai في تحويل هذا التصور إلى تجربة واسعة الاستخدام، فإنها لن تكون قد أضافت أداة ذكاء اصطناعي جديدة إلى سوق الكتب، وإنما ستكون قد دخلت في محاولة لإعادة تعريف الكتاب نفسه كمنتج رقمي تفاعلي.
مقالات ذات صلة

الدكتور هشام هدارة.. قصة خبير مصري في أشباه الموصلات والابتكار
بدأت المسيرة المهنية للدكتور هشام هدارة من بوابة الهندسة الكهربائية والميكروإلكترونيات، قبل أن ينتقل إلى العمل في قطاع التكنولوجيا وتطوير الأنظمة الإلكترونية المتقدمة.

«Arabic.AI».. «ستانفورد» تفتح بابًا جديدًا لتقييم الذكاء الاصطناعي العربي
يركز HELM Arabic Enterprise على تقييم النماذج في ست مهام مرتبطة باحتياجات المؤسسات، من بينها توليد المحتوى، والاستدلال المالي، والإجابة عن الأسئلة القانونية.

«iSchool» و«رويالتي للغات».. شراكة تعيد تشكيل مهارات الطلاب للمستقبل
يستهدف البرنامج تطوير مجموعة من المهارات لدى الطلاب، في مقدمتها التفكير المنطقي، والقدرة على حل المشكلات، والتعامل مع الأدوات التكنولوجية الحديثة، بما يساعدهم على بناء مهارات تتناسب مع التحولات المتسارعة في سوق العمل والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا.

«UMAMI» تطلق نظام LOS لربط التدريب بمهارات الموظفين.. استثمارات تتجاوز 50 مليون جنيه
تطلق «UMAMI» نظام LOS لربط التعلم بالمهارات والأداء وجاهزية القوى العاملة، ضمن خطة استثمارية تتجاوز 50 مليون جنيه واستهداف لأسواق المنطقة.
