أكد عدد من رواد الأعمال والخبراء في مجالي التكنولوجيا وريادة الأعمال أن الذكاء الاصطناعي بات أحد أهم المحركات التي يمكن أن تعزز القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة، ليس فقط عبر خفض التكاليف وتسريع تنفيذ المهام، وإنما من خلال إعادة تشكيل نماذج الأعمال وتحسين كفاءة التشغيل وتمكين الشركات من التحرك بوتيرة أسرع داخل الأسواق مقارنة بالكيانات الكبرى.
جاء ذلك خلال جلسة «منافسة الكبار: كيف تنتصر الشركات الصغيرة والمتوسطة باستخدام الذكاء الاصطناعي»، التي عُقدت ضمن فعاليات النسخة الأولى من قمة الشركات الصغيرة والمتوسطة SMEs، والتي نظمتها منصة «بيزنس بالعربي» لمناقشة الفرص التي تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتحديات المرتبطة بجاهزية البيانات وحوكمتها وقابلية نماذج الأعمال للتوسع، فضلًا عن قدرة المؤسسات على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية ملموسة.
وأوضح المشاركون أن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لا ترتبط بحجم المؤسسة، وإنما بمدى وضوح الأهداف من استخدامه، ومستوى نضج البنية الداخلية للشركة، وقدرتها على إدارة البيانات بصورة منظمة وآمنة. كما أكدوا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمتلك ميزة مهمة تتمثل في المرونة وسرعة اتخاذ القرار، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على تبني الحلول الجديدة مقارنة ببعض المؤسسات الكبرى التي تواجه تعقيدات تنظيمية متعددة.
وأشار المتحدثون إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يتحول إلى ميزة تنافسية بمجرد استخدامه، بل عندما يُدمج داخل العمليات اليومية ويرتبط باحتياجات العملاء ومتطلبات السوق، بما يسهم في رفع الإنتاجية وخفض التكاليف وتسريع الخدمات وتعزيز قدرة الشركات على التعلم والتكيف مع المتغيرات.
جاهزية البيانات أساس النجاح
قال صلاح مؤنس إن تقييم قدرة المؤسسات على تبني حلول الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على حجم الشركة بقدر ما يعتمد على جاهزية البيانات وآليات الوصول إليها ومستوى الحوكمة الداخلية.
وأوضح أن أي مؤسسة تحتاج في البداية إلى مصدر موحد للبيانات ومنظومة واضحة ومنظمة للوصول إليها بما يتوافق مع إجراءات التشغيل القياسية، مؤكدًا أن هذه العناصر تمثل الأساس الذي تُبنى عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناجحة داخل المؤسسات.
وأضاف أن الشركات الصغيرة قد تتمتع بأفضلية نسبية إذا امتلكت المستوى ذاته من نضج البيانات المتوافر لدى الشركات الكبرى، نظرًا لقدرتها على اتخاذ القرار بسرعة أكبر وتجربة نماذج تشغيل جديدة خلال فترات زمنية أقصر.
وأشار إلى أن المؤسسات الكبرى، رغم امتلاكها موارد وإمكانات أوسع، قد تواجه تحديات تتعلق بتعدد مستويات اتخاذ القرار وتعقيد عمليات التفويض والوصول إلى البيانات بين الإدارات المختلفة، وهو ما قد يبطئ عملية تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي.
وشدد مؤنس على ضرورة التوسع في إتاحة البيانات وفق ضوابط واضحة للأمن والحوكمة، محذرًا من أن فتح الوصول إلى البيانات دون تنظيم قد يخلق مخاطر تتعلق بالصلاحيات والأمن المعلوماتي، مؤكدًا أن نجاح الذكاء الاصطناعي يبدأ من تنظيم البيانات قبل اختيار الأدوات التقنية.
مرونة الشركات الصغيرة تمنحها فرصة ذهبية
من جانبه، قال محمد المصري إن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمتلك فرصة استثنائية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، لأنها لا تتحمل الأعباء المرتبطة بالأنظمة والإجراءات التقليدية المعقدة الموجودة داخل المؤسسات الكبرى.
وأوضح أن هذه الشركات تستطيع تبني أدوات وتقنيات جديدة وتجربة أساليب عمل مختلفة بوتيرة أسرع وأكثر كفاءة، ما يمنحها مرونة كبيرة في التطوير والنمو.
وأكد المصري أن الاستفادة الفعلية من الذكاء الاصطناعي ترتبط بوضوح الهدف من استخدامه، موضحًا أن المؤسسة التي تدرك بدقة ما تسعى إلى تحقيقه تستطيع توظيف التكنولوجيا لتسريع الوصول إلى أهدافها، بينما قد يؤدي غياب الرؤية الواضحة إلى التحرك بسرعة في اتجاه غير صحيح.
وأشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح تنفيذ العديد من المهام بسرعة أكبر وتكلفة أقل، بما يعزز فرص النمو والمنافسة، لافتًا إلى أن شركته تستخدم هذه الأدوات بشكل واضح في عملياتها اليومية، الأمر الذي ساهم في تنفيذ مهام كانت تتطلب أعدادًا كبيرة من العاملين عبر فرق أصغر وأكثر كفاءة.
وأضاف أن الشركات التي تدرك إمكاناتها الحقيقية وتفهم احتياجات السوق أصبحت تمتلك فرصًا أكبر من أي وقت مضى للاستفادة من التطورات التكنولوجية المتسارعة والأدوات المتاحة بتكاليف أقل كثيرًا من السابق.
وأوضح أن الشركات الكبرى غالبًا ما تواجه تحديات في تغيير نماذج أعمالها القائمة بسبب ارتباطها بقاعدة عملاء واسعة وإيرادات كبيرة تعتمد على النموذج الحالي، ما يجعل أي تغيير جذري أكثر حساسية وتعقيدًا.
في المقابل، تمتلك الشركات الصغيرة والمتوسطة مساحة أوسع للتجربة والمخاطرة المحسوبة وتطوير منتجات وخدمات جديدة قد تُحدث تأثيرًا واضحًا داخل السوق.
وأكد المصري أن أدوات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي جعلت تنفيذ العديد من الأفكار والمشروعات أكثر سهولة وأقل تكلفة، بعدما كانت تحتاج في السابق إلى موارد ضخمة وفرق عمل كبيرة وفترات زمنية طويلة.
القيمة الحقيقية في توظيف التكنولوجيا لا امتلاكها
بدوره، قال أحمد أباظة إن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ميزة تنافسية مستقلة يحتاج إلى إعادة تقييم، موضحًا أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي جعلت امتلاك الخوارزميات والنماذج أقل أهمية مقارنة بالقدرة على توظيف التكنولوجيا داخل العمليات التشغيلية.
وأشار إلى أن الشركات العالمية الكبرى تضخ استثمارات هائلة لتسهيل استخدام الذكاء الاصطناعي وإتاحته لشريحة أوسع من المستخدمين، وهو ما يعني أن النماذج الأساسية ستصبح متاحة على نطاق أوسع ولن تكون وحدها مصدر التميز الرئيسي.
وأوضح أن السؤال الذي يجب أن يطرحه الرؤساء التنفيذيون لم يعد يتمثل في كيفية بناء نموذج ذكاء اصطناعي خاص، بل في مدى الحاجة الفعلية لذلك، مؤكدًا أن هذا الخيار يكون منطقيًا فقط في حالات محدودة تتوافر فيها بيانات شديدة التخصص أو احتياجات فريدة للغاية.
وأضاف أن البيانات تظل مصدرًا مهمًا للقيمة، لكنها لا تتحول إلى ميزة تنافسية حقيقية إلا إذا كانت فريدة ويصعب على المنافسين الوصول إليها أو تكرارها.
وأكد أباظة أن الأولوية يجب أن تكون لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين العمليات التشغيلية وزيادة الهوامش وتسريع دورة العمل، مشيرًا إلى أن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا تكمن في خفض التكلفة وتحسين الخدمات وتسريع التحصيل النقدي ورفع جودة اتخاذ القرار.
وأوضح أن الميزة التنافسية المستقبلية لن تكون في امتلاك الخوارزمية نفسها، بل في سرعة التعلم داخل المؤسسة وقدرتها على تحويل البيانات اليومية وتفاعلات العملاء إلى قرارات تشغيلية أكثر دقة وسرعة.
وأضاف أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ستكون تلك القادرة على بناء دورات تعلم مستمرة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في إعادة تصميم أساليب العمل، سواء في خدمة العملاء أو التسويق أو إدارة المخاطر أو تحليل البيانات أو المبيعات أو تقييم الأداء.
المستثمر يبحث عن نموذج الأعمال أولًا
من ناحية أخرى، قال مصطفى مدحت إن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي التعامل معه باعتباره استراتيجية مستقلة، بل باعتباره أداة لرفع كفاءة التشغيل وتحقيق مستويات أعلى من الأتمتة داخل المؤسسات.
وأوضح أن السؤال الصحيح ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي أفضل للشركات الصغيرة أم الكبرى، وإنما متى يكون أكثر ملاءمة لكل نوع من الشركات وما المزايا والتحديات المرتبطة بتطبيقه في كل مرحلة.
وأشار إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تبسيط العمليات اليومية وتقليل التكاليف وتسريع اتخاذ القرار، بينما يمكن للمؤسسات الكبرى توظيفه في إدارة الأنظمة المعقدة وتحليل كميات ضخمة من البيانات وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وأكد أن التطبيق الناجح يبدأ من فهم احتياجات الأعمال أولًا، ثم تحديد الدور الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا في خدمتها، مشيرًا إلى أهمية الدمج بين رؤية الأعمال ورؤية تكنولوجيا المعلومات لضمان تطبيق مستدام وفعال.
وفيما يتعلق بالاستثمار، أوضح مدحت أن المستثمر لا ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عامل الجذب الرئيسي، بل يركز في المقام الأول على نموذج الأعمال ومدى قابليته للنمو والتوسع والتكرار على نطاق أكبر.
وأضاف أن التكنولوجيا تصبح عنصر قوة عندما تساعد الشركة على التوسع وحل مشكلات حقيقية داخل السوق وتحسين الأداء التشغيلي، لكنها لا تمثل ميزة كافية إذا كانت لا تدعم استدامة النمو أو قابلة للاستبدال بسهولة.
وأشار إلى أن المستثمرين يولون اهتمامًا كبيرًا لمسألة قابلية التكنولوجيا أو الخدمة للاستبدال، ويرغبون في فهم مدى قدرة الشركة على بناء مزايا يصعب تقليدها، سواء عبر البيانات أو الخبرات المتراكمة أو العلاقات مع العملاء أو نموذج التشغيل.
وأكد أن سهولة تقليد الخدمات أو وفرتها في السوق تؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع قيمتها، ولذلك يركز المستثمر على ندرة الفكرة وصعوبة استبدالها بقدر اهتمامه بحداثة التكنولوجيا المستخدمة.
توافق على أن المستقبل لمن يجيد التوظيف لا الامتلاك
واختتم المشاركون الجلسة بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمنح الشركات الصغيرة والمتوسطة فرصة حقيقية لمنافسة الكيانات الكبرى، لكنه لا يحقق هذه الأفضلية بصورة تلقائية، إذ يتوقف النجاح على وضوح الرؤية وجودة البيانات وحوكمة استخدامها ومرونة العمليات وقابلية نموذج الأعمال للتوسع وربط التكنولوجيا باحتياجات السوق الفعلية.
وأكد المتحدثون أن المرحلة المقبلة لن تكون سباقًا على امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي بقدر ما ستكون منافسة على القدرة على توظيف هذه الأدوات داخل نماذج الأعمال والعمليات التشغيلية، بما يحقق إنتاجية أعلى وتكاليف أقل وخدمات أسرع وقدرة أكبر على الابتكار والنمو.
مقالات ذات صلة

«توال» السعودية تستهدف الاستحواذ على أبراج «موبايلي».. هل تعيد رسم خريطة البنية التحتية للاتصالات؟
الصفقة في حال اكتمالها، ستضيف أكثر من 10 آلاف برج إلى محفظة الشركة، ما يرفع حجم أصولها بصورة كبيرة ويوسع انتشارها داخل السوق السعودية.

«بنك نكست» و«إي إف چي هيرميس».. أول بطاقة تجمع بين الإنفاق اليومي والاستثمار في مصر
أول بطاقة ائتمانية مشتركة في مصر تجمع بين بنك وشركة وساطة في الأوراق المالية، وصُممت خصيصًا لعملاء منصة EFG Hermes ONE، لتوفير تجربة مالية متكاملة تربط بين الإنفاق اليومي والاستثمار.

«Symmetry» و«Hub71» و«Citadel».. ما سر صمود منظومة الشركات الناشئة بالسعودية والإمارات وقطر؟
فرضت التطورات الجيوسياسية ضغوطًا على بعض الشركات، مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأثر سلاسل الإمداد، إلى جانب تباطؤ بعض التدفقات النقدية، إلا أن الأسواق الخليجية أظهرت مرونة في التعامل مع هذه المتغيرات.

بعد تمويل جديد.. هل تبدأ «Infinity» عصرًا جديدًا لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي؟
شركة Infinity، المتخصصة في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تغلق جولة تمويل تأسيسية بقيمة 15 مليون دولار، عند تقييم بلغ 100 مليون دولار.

