تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

ندوة «اتصال»: الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مستقبل الأمن السيبراني

خبراء الأمن السيبراني يحذرون المؤسسات من مخاطر الحوسبة الكمية قبل «اليوم الكمي» المتوقع بين 2028 و2030، ويدعون لخطط حماية استباقية.

4 د قراءة
ندوة «اتصال»: الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مستقبل الأمن السيبراني

تواجه المؤسسات مرحلة جديدة من تحديات الأمن السيبراني مع اقتراب ما يعرف بـ «اليوم الكمي» (Q-Day)، وهو اليوم الذي تصبح فيه الحواسيب الكمية قادرة على اختراق أنظمة التشفير التقليدية، وسط توقعات بحدوث هذا التحول خلال الفترة بين عامي 2028 و2030، وهو ما يدفع الخبراء إلى المطالبة ببدء استعدادات المؤسسات من الآن وعدم انتظار ظهور التهديد بشكل فعلي.

وأكد خبراء في الأمن السيبراني أن التطورات المتسارعة في مجالي الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي تفرض تغييراً في طريقة تعامل المؤسسات مع المخاطر الرقمية، بحيث لا يقتصر الأمر على شراء حلول أمنية جديدة، وإنما يمتد إلى إعادة تصميم استراتيجيات الحماية، وتعزيز الحوكمة، وبناء قدرات بشرية متخصصة.

جاء ذلك خلال ندوة بعنوان «نحو مستقبل آمن في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية» نظمتها جمعية اتصال (EiTESAL)، بمشاركة المهندس محمود توفيق، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة Fixed Investment Group، والمهندس سامح زغلول، رئيس التكنولوجيا والابتكار بشركة Fixed Solutions، حيث ناقش المشاركون مستقبل الأمن السيبراني في ظل التحولات التقنية المتسارعة.

وشدد المشاركون على أهمية تبني المؤسسات لنموذج «انعدام الثقة» (Zero Trust)، إلى جانب إجراء تقييم شامل للجاهزية الكمية، وحصر الأصول والأنظمة التي تعتمد على تقنيات التشفير الحالية، ووضع خطط انتقال تدريجية نحو حلول أكثر قدرة على مواجهة تهديدات المستقبل.

وقال المهندس محمود توفيق إن نماذج الأمن التقليدية التي تعتمد على حماية حدود الشبكات لم تعد كافية في بيئات الأعمال الحديثة التي تعتمد بشكل متزايد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتعدد نقاط الاتصال.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى نموذج Zero Trust القائم على التحقق المستمر من كل طلبات الوصول إلى الأنظمة والبيانات، وعدم منح الثقة بشكل افتراضي، مشيراً إلى أن التحدي الرئيسي لا يرتبط بتوفير أدوات تقنية فقط، وإنما بتغيير طريقة إدارة المخاطر داخل المؤسسات.

وأضاف أن الأمن السيبراني أصبح جزءاً من استراتيجية الأعمال وليس مجرد وظيفة تقنية، مع اختلاف أولويات الحماية وفقاً لطبيعة كل قطاع، سواء القطاع المصرفي أو البنية التحتية أو شركات التكنولوجيا.

وأشار توفيق إلى أن الحوسبة الكمية لم تعد مجرد احتمال مستقبلي بعيد، خاصة مع تحركات شركات التكنولوجيا العالمية لتطوير حلول تشفير مقاومة لهذه التقنيات، وهو ما يفرض على المؤسسات تقييم تأثير الانتقال الكمي على بنيتها الرقمية قبل الوصول إلى مرحلة الخطر.

من جانبه، حذر المهندس سامح زغلول من تصاعد مخاطر سيناريو «اجمع البيانات الآن وفك تشفيرها لاحقاً» (Harvest Now, Decrypt Later)، موضحاً أن المهاجمين يمكنهم تخزين البيانات المشفرة في الوقت الحالي، ثم محاولة فك تشفيرها مستقبلاً عند تطور قدرات الحوسبة الكمية.

وأوضح أن هذا التهديد يضع البيانات ذات العمر الطويل، مثل السجلات المالية والملكية الفكرية والمفاتيح التشفيرية، أمام مخاطر مستقبلية حتى إذا كانت مؤمنة بالمعايير الحالية.

وأكد أن الخطوة الأولى أمام المؤسسات تتمثل في تنفيذ تقييم جاهزية الأمن الكمي (Quantum Security Readiness Assessment)، باعتباره أداة تساعد على قياس مستوى الاستعداد من خلال مراجعة عدد من المحاور، تشمل الحوكمة، وإدارة المخاطر، والأصول التشفيرية، وسلاسل الإمداد، والامتثال، وبناء الكفاءات.

وأشار إلى أهمية إعداد قائمة مكونات التشفير (CBOM) لحصر الخوارزميات المستخدمة داخل الأنظمة والتطبيقات، تمهيداً للانتقال إلى خوارزميات التشفير المقاومة للحوسبة الكمية التي اعتمدها المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST).

وأضاف أن التحول نحو الأمن الكمي يتطلب بناء ما يعرف بـ المرونة التشفيرية (Cryptographic Agility)، بما يسمح للمؤسسات بتغيير خوارزميات الحماية مستقبلاً دون الحاجة إلى إعادة بناء الأنظمة بالكامل، وهو ما يمثل أحد عناصر الجاهزية الرئيسية خلال السنوات المقبلة.

وعلى مستوى السوق المصرية، أشار زغلول إلى وجود فجوة في الكفاءات المتخصصة بمجالات الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التعامل معها يتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص لتأهيل كوادر قادرة على مواكبة التحولات التقنية.

ولفت إلى قرب صدور الاستراتيجية القومية للحوسبة الكمية في مصر، متوقعاً أن يكون القطاع المصرفي من أوائل القطاعات التي تبدأ في تطبيق متطلبات الاستعداد لهذه المرحلة، نظراً لحساسية البيانات وطبيعة العمليات التي يعتمد عليها.

وأكد المشاركون في ختام الندوة أن الاستعداد للحوسبة الكمية لم يعد ملفاً تقنياً مؤجلاً، وإنما أصبح قراراً استراتيجياً يتطلب مشاركة الإدارات العليا داخل المؤسسات، من خلال تقييم المخاطر الحالية، ووضع خطط انتقال تدريجية نحو بيئات تشفير أكثر مرونة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة