يشهد القطاع الزراعي تحولًا متسارعًا نحو الأتمتة والاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي، مدفوعًا بالحاجة إلى رفع الإنتاجية، ومواجهة نقص العمالة، وترشيد استخدام المياه والمبيدات، وتحسين كفاءة العمليات داخل الحقول. وامتد هذا التحول إلى سوق الروبوتات الزراعية الذي قدرت Grand View Research قيمته بنحو 14.74 مليار دولار خلال 2024، مع توقعات بوصوله إلى 48.06 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 23%.
وفي مصر، تحاول شركة Agrican تحويل هذا الاتجاه إلى حلول عملية داخل المزارع، عبر تطوير روبوتات ذاتية التشغيل مدعومة بإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، لجمع وتحليل بيانات الأراضي الزراعية، وتشخيص أمراض النباتات، وتنفيذ عمليات الرش بدقة، بما يستهدف خفض الهدر ورفع كفاءة الإنتاج وتقليل المخاطر المرتبطة بالعمل الزراعي التقليدي.
من نموذج طائرة في جنيف إلى شركة متخصصة في الروبوتات الزراعية
بدأت رحلة سالم غانم، مؤسس Agrican، من مشروع ابتكاري مختلف عن المنتج الذي تركز عليه الشركة حاليًا؛ ففي 2019 شارك في معرض جنيف الدولي للاختراعات بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي، مقدمًا نموذجًا لطائرة بدون طيار تستطيع تحديد المناطق المصابة بالآفات والأمراض النباتية داخل الأراضي الزراعية، وحصل النموذج على الميدالية الفضية.
ومع نجاح التجربة، بدأ غانم العمل على تحويل النموذج إلى منتج قابل للتطبيق، وصولًا إلى منتج نهائي في 2021، بالتزامن مع حصوله على براءة اختراع دولية في سويسرا. وفي 2023 اتسع الفريق ليضم متخصصين في مجالات مختلفة، لتتأسس Agrican بصورتها الحالية، مع تحول التركيز تدريجيًا من الطائرات الزراعية إلى الروبوتات الأرضية، خصوصًا روبوتات الرش.
خبرات هندسية وراء تطوير الحلول
يمتلك غانم خلفية تجمع بين هندسة الميكاترونكس والهندسة الصناعية والبحث والتطوير؛ إذ حصل على بكالوريوس هندسة الميكاترونكس وماجستير الهندسة الصناعية من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا.
كما عمل لأكثر من 3 سنوات مهندس بحث وتطوير في الهيئة العربية للتصنيع، وشارك في قيادة فرق عمل بمشروعات شملت المركبات الموجهة عن بعد، وكاسحات الألغام، والطائرات الزراعية بدون طيار، وتصنيع الأقمار الصناعية الصغيرة، والمسح ثلاثي الأبعاد، قبل أن ينتقل بخبراته إلى مجال التكنولوجيا الزراعية والروبوتات.
واختير غانم ضمن قائمة Forbes Middle East للشباب المبتكرين تحت سن الثلاثين لعام 2024 عن فئة التأثير الاجتماعي، تقديرًا لعمله في تطوير حلول للروبوتات الزراعية.
روبوتات للرش وجمع البيانات وتشخيص الأمراض
تركز Agrican حاليًا على تطوير منظومة تكنولوجية تربط بين الروبوتات وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والاستشعار، بحيث لا تقتصر وظيفة الروبوت على تنفيذ عملية زراعية واحدة، وإنما يصبح جزءًا من منظومة لجمع البيانات وتحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ.
ويأتي روبوت الرش في مقدمة منتجات الشركة، إذ يعتمد على تقنيات الملاحة والاستشعار لتنفيذ عمليات رش أكثر دقة، بما يقلل استخدام المبيدات والهدر الناتج عن الرش العشوائي، ويساعد على حماية العمال من التعرض المباشر للمواد الكيميائية.
كما تطور الشركة طائرات مزودة بكاميرات عالية الدقة لاكتشاف أمراض النباتات، إلى جانب أجهزة لمراقبة البيئات الزراعية، خصوصًا الصوب، وحلول لجمع وتحليل البيانات، فضلًا عن تطبيق للمحمول يتيح متابعة المحاصيل والطقس وإدارة المزرعة.
وتستهدف هذه المنظومة مساعدة المزارع على تحديد احتياجات الأرض بصورة أكثر دقة، سواء فيما يتعلق بالرش أو الري أو مراقبة صحة المحاصيل، بدلًا من الاعتماد الكامل على التقديرات اليدوية.
أكثر من 9 آلاف فدان ضمن نطاق العمل
توسعت Agrican تدريجيًا في تطبيق حلولها داخل المزارع، بعدما بدأت العمل مع عدد محدود من المزارع قبل أن تتوسع قاعدة العملاء والتجارب الميدانية. ووصلت المساحات التي شملتها حلول الشركة إلى أكثر من 5,350 فدانًا في مراحل سابقة، فيما ارتفع نطاق العمل المعلن حاليًا إلى 9,715 فدانًا، مع تحليل نحو 5.8 تيرابايت من البيانات الزراعية والعمل على 33 محصولًا.
كما امتد نشاط الشركة إلى تدريب المزارعين والعاملين على التكنولوجيا الزراعية، ووصل عدد المتدربين المعلن إلى 1,755 شخصًا، إلى جانب حصول الشركة على 35 جائزة وتكوين فريق يضم 13 خبيرًا في التكنولوجيا الزراعية.
ويقول غانم إن الشركة قدمت خدماتها خلال العام الماضي لنحو 5,370 فدانًا، ونجحت في خفض انبعاثات الكربون بنسبة 65%، وتقليل الاعتماد على العمالة في الحقول بنحو 25%، فضلًا عن تدريب 340 مزارعًا على استخدام التطبيقات والأدوات التكنولوجية.
وتعمل Agrican في 7 محافظات، من بينها الدقهلية، كما تتعاون مع أكثر من 5 جمعيات تضم صغار المزارعين، بما يسمح بتوزيع تكلفة الخدمات بينهم وجعلها أكثر تنافسية مقارنة بالاعتماد على الجرارات والماكينات اليدوية.
التصنيع المحلي يفتح باب التوسع الخارجي
لم تتوقف الشركة عند السوق المصرية، إذ دخلت في تعاون مع شركة سويسرية لتصنيع أجهزة إنترنت الأشياء في مصر، مستفيدة من انخفاض تكلفة التصنيع محليًا.
وبحسب غانم، ساهم التصنيع في مصر في خفض التكلفة بنسبة تتراوح بين 50% و60% مقارنة بالتصنيع في سويسرا، مع الحفاظ على مستوى الجودة، وهو ما يفتح أمام Agrican فرصة لبناء شراكات جديدة في الأسواق الخارجية.
كما بدأت الشركة تقديم خدماتها لمزرعة في مدينة العين الإماراتية، مع اتجاه للتحول تدريجيًا من نموذج تقديم الخدمة إلى بيع الروبوتات، بعد زيادة قدرة المزارعين والعاملين على التعامل مع التكنولوجيا الجديدة.
البحث والتطوير يؤجلان جولة التمويل
واجهت Agrican تحديات مرتبطة بارتفاع تكلفة البحث والتطوير والتصنيع، إلى جانب صعوبة بناء ثقة المزارعين في تكنولوجيا جديدة لم يسبق لهم استخدامها.
ودفع ذلك الشركة في بدايتها إلى تقديم خدمات مجانية للمزارعين لإثبات جدوى الحلول على أرض الواقع، قبل الانتقال إلى نموذج الاشتراك المدفوع.
وحصلت Agrican خلال العام الماضي على استثمار من أحد ملاك المزارع، إلى جانب توفير أرض زراعية للعمل والتجارب. وتعمل الشركة حاليًا من ورشة صغيرة، بينما تستهدف إنشاء مصنعها في المنطقة الاستثمارية بجمصة خلال العام المقبل.
ورغم تلقيها عروضًا استثمارية وعرضًا للمشاركة في برنامج «شارك تانك»، فضّلت الشركة تأجيل الجولة التمويلية لحين إطلاق المصنع واستكمال عدد من براءات الاختراع، بهدف تحسين تقييمها قبل دخول مستثمرين جدد.
صغار المزارعين والسوق الإقليمية.. الرهان المقبل
تستهدف Agrican خلال المرحلة المقبلة توسيع نطاق حلولها لتشمل شريحة أكبر من صغار المزارعين، الذين يمثلون نحو 85% من النشاط الزراعي، وفق تقديرات غانم، بعدما تركز نحو 90% من أعمال الشركة الحالية مع المزارع الكبيرة.
وتعمل الشركة على تطوير روبوتات شبه ذاتية التشغيل يمكنها تنفيذ عمليات الرش بالدقة نفسها ولكن بتكلفة أقل، مع طرحها من خلال الجمعيات الزراعية لتسهيل وصول التكنولوجيا إلى صغار المزارعين.
ولا يقتصر التوسع المستهدف على مصر، إذ تخطط Agrican لبناء شراكات في السوقين السورية والليبية، مستهدفة أسواقًا ترى فيها فرصًا كبيرة لتطبيق التكنولوجيا الزراعية.
وبذلك تحاول الشركة بناء نموذج يتجاوز بيع الروبوتات إلى رقمنة العمليات الزراعية نفسها، عبر دمج الروبوتات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والاستشعار وتحليل البيانات في منظومة واحدة، تجعل التكنولوجيا أداة مباشرة لخفض تكلفة الإنتاج والهدر، وتحسين الإنتاجية، وتقليل الأثر البيئي.
مقالات ذات صلة

«1001».. رهان خليجي على الذكاء الاصطناعي لإعادة هندسة البنية التحتية الحيوية
منصة ذكاء اصطناعي سيادي تربط البيانات والأنظمة التشغيلية لدعم القرارات وتحسين كفاءة العمليات في المطارات والموانئ والطاقة والإنشاءات.

رحلة تحول «Velents AI» السعودية.. من أتمتة التوظيف إلى حلول الذكاء الاصطناعي للمؤسسات
«Velents AI» تنتقل من أتمتة التوظيف إلى الذكاء الاصطناعي المؤسسي، مع تمويل 1.5 مليون دولار وشراكة «Claude» وتوسع حلولها في 2025 و2026.

«Arabic.AI».. «ستانفورد» تفتح بابًا جديدًا لتقييم الذكاء الاصطناعي العربي
يركز HELM Arabic Enterprise على تقييم النماذج في ست مهام مرتبطة باحتياجات المؤسسات، من بينها توليد المحتوى، والاستدلال المالي، والإجابة عن الأسئلة القانونية.

كيف تحاول «Algebra AI» سد الفجوة بين أدوات الذكاء الاصطناعي واحتياجات الشركات؟
Algebra AI شركة إماراتية ناشئة جمعت 7 ملايين دولار لتطوير وتشغيل وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين لأتمتة عمليات الشركات المتوسطة في الخليج.
